يعاني الكثيرون في منطقة المتوسط والشرق الأوسط من مرض سمى خصيصا على أسم حوض البحر الأبيض المتوسط FMF, وهو مرض وراثي كما نشر عنه, ولا يشكل خطورة على الحياة نفسها ولكنه يعيق مسارها الطبيعي ويضرب جودتها في الصميم, إن هو لم يعالج دوائيا.

أذكر انني مذ وعيت ولغاية جيل 18 كان هذا المرض هو الذي ينظم حياتي ويتحكم بأموري اليومية كالمدرسة والنشاطات اللامنهجية واللعب والحياة الإجتماعية وغيرها.

فما يميز هذا المرض أو هذه الحمى بتعبير أصح أن أعراضها تظهر كل شهرين بالمعدل وتشل حياة المصاب بها تماما كما أنها تلزمه الفراش لمدة أسبوع على الأقل. فلكم أن تتخيلوا كيف تبدو حياة طفل يتوقف مسار حياته خلال أسبوع من كل شهرين, يفقد فيه تواصله مع المحيط كما يتعثر من خلال ذلك مساره التعليمي وخاصة في فترة الإعدادية والثانوية مما يضطره لإعادة تجديد طاقاته وشحن رغباته كل مرة من جديد, ويترتب على ذلك معاناة اجتماعية ونفسية شاقة, هذا إضافة للمعاناة الجسدية طبعا.

تشبه أعراض حمى البحر المتوسط الكثير من الأعراض الشائعة ولذا يصعب تشخيص المرض سريعا, مما يضطر الأطباء إلى قضاء سنوات عدة في شطب الإحتمالات الأخرى حتى وصولهم إلى التشخيص السليم, فلم أعد أذكر عدد المرات التي تم تجهيزي فيها لدخول غرفة العمليات لإجراء جراحة الزائدة الدودية أو المرارة من قبل طبيب جديد, لتلغى الجراحة في اللحظة الأخيرة, وكم من فحص معقد ومؤلم  تم إجراؤه لي لمحاولة اكتشاف ما الذي يسبب هذه الآلام في أحشائي ولكن عبثا, مناظير وأولتراساوند وغيرها وغيرها.

تبدأ نوبة ال- FMF من خلال ألم شديد في الخاصرة لمدة يومين, يمتد الألم إلى منطقة الصدر والقفص الصدري ويرافقه ضغط شديد على هذه المنطقة وصعوبة في التنفس وأحيانا سعال, ثم وعندما تكون النوبة حادة يتجه الألم نحو أسفل البطن ويصبح حادا جدا ولا يطاق, يرافقه القيء وارتفاع الحرارة, وهذا ما يفاقم من الشكوك لدى الأطباء الذين لا يدركون تاريخ المريض مع النوبات المتكررة, بأن جراحة الزائدة الدودية أو المصران الأعور هي الحل, فأعراض ألم أسفل البطن التي يرافقها القيء والحرارة, تنطبق بشكل شبه تام على أعراض التهاب الزائدة.

وهكذا احتار الأطباء في أمري حتى بلغت 18 عاما من المعاناة والعبودية للمرض المجهول, والتعثر في الدراسة وخاصة في مرحلة البكالوريا, إلى أن طرح أحد أطباء الأمراض الباطنية وهو قريب لي عائليا, احتمال إصابتي بالمرض, وبالفعل بعد أن قرر علاجي بدواء كولختسين لفترة تجريبية, توقفت النوبات وانتهت المعاناة.

إن التشخيص السريع والفعال للمرض قد يوفر سنوات من المعاناة والألم والصعوبات الاجتماعية والنفسية, وكذلك يوفر على الأهل الكثير من القلق والأفكار السوداوية حول صحة أطفالهم, بما أن أعراض المرض قد تثير الشكوك حول الإصابة بأمراض خطيرة جدا.

Share →